عبد الملك الجويني

188

الشامل في أصول الدين

بأن نقول : أيجوز وقوع الظلم من القديم أم لا ؟ فإن قالوا : يجوز ، فقد أبطلوا ما عولوا عليه من استحالة خروجه عن كونه عالما ، غنيا ، وأوجبوا جواز خروجه عن الوصفين ، حين جوزوا وقوع ما يدل على خروجه عنهما . وهذا ما لا مخلص منه . وإن قالوا : لا يجوز وقوعه ، فقد أخرجوه عن كونه مقدورا ، وتابعوا النظام في مذهبه . ثم نقول : لو جاز لكم إطلاق القول بأن الظلم مقدور ، ولا يجوز تقدير وقوعه ، فبم تنكرون على من يزعم أن تقدير الاختلاف بين القديمين ممكن ، ولا يجوز تقدير وقوعه ، لما فيه من الاستحالة [ والتناقض ] ؟ . وهذا ما لا مهرب منه . وقد قالت طائفة منهم : إن الدلالة قد قامت على أن الضرر المحض مقدور للّه ، وقامت الدلالة على أن الظلم لو وقع ، دل على حدث فاعله ، فقد تعارض هذان الأصلان . فإذا قيل لنا : أيقع ؟ لم نجب عنه بنفي ولا إثبات . فإنا لو قلنا : لا يجوز وقوعه ، كان قدحا في كونه مقدورا . ولو قلنا : يجوز وقوعه ، كان قدحا في وجوب كونه عالما مستغنيا ، فلم نطلق واحدا من الجوابين . قلنا : هذا فرار من الرجعة ، وتلفح بجلابيب « 1 » الحيرة ، واستشعار شعار الدهش والجهل . فإنا نعلم بضرورة العقل أن الشيء إما أن يجوز ، وإما أن لا يجوز ، وليس بين النفي والإثبات رتبة . وما توقفهم في هذه المنزلة إلا كتوقف من يقول في بعض الأشياء إنه ليس بمنفي ، ولا مثبت ، ولا موجود ، ولا معدوم . ثم بم تنكرون على من يقول : لم يقع الاختلاف بين القديمين . ولو سئلنا عن وقوعه لم نجب بنفي ولا إثبات . فهل تجدون معاشر المعتزلة في ذلك فصلا ، أم هل تجيزون فيه جوابا ؟ وهيهات ، فلا سبيل لهم إلى ذلك . فإن قالوا : هذا الذي ألزمتمونا ينعكس عليكم في خلاف المعلوم ، وظهور المعجزة على أيدي المقتربين ، فإن خلاف المعلوم مقدور عندكم ، ولو وقع ، لدل على قلب العلم جهلا . ثم القدرة عليه لا تدل على جواز انقلاب العلم ، وكذلك القول في ظهور المعجزة على أيدي الكذابين . وألزمونا أصلا ثالثا ننفرد به ، فقالوا : إن جوزتم صدور أفعال محكمة من الواحد منا من غير أن يكون عالما بها ، فقد نقضتم دلالة الإحكام على العلم . وإن لم

--> ( 1 ) جلابيب : ( ج ) جلباب : القميص أو الثوب المشتمل على الجسد كله أو ثوب واسع تشتمل به المرأة .